العيني
40
عمدة القاري
ذكر لطائف إسناده فيه : التحديث بصيغة الجمع باتفاق الرواة عن مسلم بن إبراهيم . وفيه : التحديث بصيغة الجمع عن هشام عند أبي ذر ، وعند غيره . أخبرنا بصيغة الجمع . وفيه : الإخبار بصيغة الجمع عن يحيى عند أبي ذر ، وعند غيره : حدثنا . وفيه : العنعنة عن أبي قلابة عن أبي المليح ، وعند ابن خزيمة : من طريق أبي داود الطيالسي عن هشام عن يحيى : أن أبا قلابة حدثه ، وعند البخاري في باب التبكير بالصلاة في يوم الغيم : عن معاذ بن فضالة عن هشام عن يحيى عن أبي قلابة : أن أبا المليح حدثه . وفيه : ثلاثة من التابعين على الولاء . وفيه : أن الرواة كلهم بصريون . وفيه : القول في ثلاثة مواضع . بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري أيضا عن معاذ بن فضالة . وأخرجه النسائي في الصلاة أيضا عن عبيد الله بن سعيد عن يحيى عن هشام به . ورواه ابن خزيمة كما رواه البخاري . وأخرجه ابن ماجة وابن حبان من حديث الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابة عن أبي المهاجر عنه ، قال ابن حبان : وهم الأوزاعي في تصحيفه عن يحيى ، فقال : عن أبي المهاجر ، وإنما هو أبو المهلب عم أبي قلابة عن عمه عنه ، على الصواب . واعترض عليه الضياء المقدسي ، فقال : الصواب أبو المليح عن أبي بريدة . ذكر معناه : قوله : ( ذي غيم ) ، صفة يوم ومحل : ( في غزوة ) و : ( في يوم ) نصب على الحال ، وإنما خص يوم الغيم لأنه مظنة التأخير ، لأنه ربما يشتبه عليه فيخرج الوقت بغروب الشمس . قوله : ( بكروا ) أي : أسرعوا وعجلوا وبادروا وكل من بادر إلى الشيء فقد بكر ، وأبكر إليه أي وقت كان ، يقال : بكروا بصلاة المغرب أي : صلوها عند سقوط القرص . قوله : ( من ترك ) كلمة من ، موصولة تتضمن معنى الشرط في محل الرفع على الابتداء وخبره : ( فقد حبط عمله ) . ودخول : الفاء ، فيه لأجل تضمن المبتدأ معنى الشرط . و : حبط ، بكسر الباء الموحدة أي : بطل ، يقال : حبط يحبط من باب : علم يعلم ، يقال : حبط عمله وأحبطه غيره ، وهو من قولهم : حبطت الدابة حبطا بالتحريك إذا أصابت مرعى طيبا ، فأفرطت في الأكل حتى تنتفخ فتموت ، وزاد معمر في رواية هذا الحديث لفظ : متعمدا ، وكذا أخرجه أحمد من حديث أبي الدرداء . وفي رواية معمر : ( أحبط الله عمله ) ، وسقط من رواية المستملي لفظ : فقد . ذكر ما يستفاد منه وهو على وجوه : الأول : احتج به أصحابنا على أن المستحب تعجيل العصر يوم الغيم . الثاني : احتج به الخوارج على تكفير أهل المعاصي ، قالوا : وهو نظير قوله تعالى : * ( ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله ) * ( المائدة : 5 ) . ورد عليهم أبو عمر بأن مفهوم الآية أن من لم يكفر بالإيمان لم يحبط عمله ، فيتعارض مفهوم الآية ومنطوق الحديث ، فإذا كان كذلك يتعين تأويل الحديث ، لأن الجمع إذا كان ممكنا كان أولى من الترجيح ، ونذكر عن قريب وجه الجمع ، إن شاء الله تعالى . الثالث : احتج به بعض الحنابلة : أن تارك الصلاة يكفر ، ورد بأن ظاهره متروك ، والمراد به التغليظ والتهديد ، والكفر ضد الإيمان وتارك الصلاة لا ينفي عنه الإيمان ، وأيضا لو كان الأمر كما قالوا لما اختصت العصر بذلك . وأما وجه اختصاص العصر بذلك فلأنه وقت ارتفاع الأعمال ، ووقت اشتغال الناس بالبيع والشراء في هذا الوقت بأكثر من وقت غيره ، ووقت نزول ملائكة الليل . وأما وجه الجمع فهو أن الجمهور تأولوا الحديث فافترقوا على فرق : فمنهم من أول سبب الترك فقالوا : المراد من تركها جاحدا لوجوبها ، أو معترفا لكن مستخفا مستهزئا بمن أقامها ، وفيه نظر ، لأن الذي فهمه الراوي الصحابي إنما هو التفريط ، ولهذا أمر بالتبكير والمبادرة إليها وفهمه أولى من فهم غيره . ومنهم من قال : المراد به من تركها متكاسلاً ، لكن خرج الوعيد مخرج الزجر الشديد ، وظاهره غير مراد كقوله صلى الله عليه وسلم : ( لا يزني الزاني وهو مؤمن ) . ومنهم من أول سبب الحبط ، فقيل : هو من مجاز التشبيه ، كأن المعنى : فقد أشبه من حبط عمله . قيل : معناه كاد أن يحبط ، وقيل : المراد من الحبط نقصان العمل في ذلك الوقت الذي ترفع فيه الأعمال إلى الله تعالى ، وكان المراد بالعمل الصلاة خاصة أي : لا يحصل على أجر من صلى العصر ، ولا يرتفع له عملها حينئذ ، وقيل : المراد بالحبط الإبطال ، أي : بطل انتفاعه بعمله في وقت ينتفع به غيره في ذلك الوقت . وفي ( شرح الترمذي ) ذكر أن الحبط على قسمين : حبط إسقاط وهو : إحباط الكفر للإيمان وجميع الحسنات ، وحبط موازنة وهو : إحباط المعاصي للانتفاع بالحسنات عند رجحانها عليها إلى أن تحصل النجاة ، فيرجع إليه جزاء حسناته . وقيل : المراد بالعمل في الحديث العمل الذي كان سببا لترك الصلاة ، بمعنى أنه : لا ينتفع به ولا يتمتع وأقرب الوجوه في هذا ما قاله ابن بزيزة : إن هذا على وجه التغليظ ، وإن ظاهره غير مراد ، والله تعالى أعلم ، لأن الأعمال لا يحبطها إلاَّ الشرك . 16